محمود سالم محمد

377

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

القسم الثاني - الصياغة والأسلوب : إن الطريقة التي يؤدي بها الشاعر أفكاره ، أو التي ينظم فيها كلامه ، هي التي تظهر مقدرته التعبيرية وتبيّن موهبته البلاغية ، فلكل أديب أسلوب مميز في الكتابة قلما يتكرر . وقد بنيت شهرة كثير من الأدباء على صياغتهم للكلام ، وسبكهم للجمل . وإلى جانب ذلك ، فإن لكل عصر ميزات عامة ، تجمع خصائص الأسلوب عند أدبائه ، وتميزهم عن غيرهم من الأدباء الذين سبقوهم ، والأدباء الذين أتوا بعدهم . ففي أدبنا العربي تدرج الأسلوب أو طريقة الأداء من البساطة في الجاهلية وصدر الإسلام ، إلى الاهتمام به والجزالة والقوة في عهد بني أمية وصدر عهد بني العباس ، ومن التنميق والعناية بتحسينه في عهد بني العباس إلى الصناعة في أواخر عهدهم ، والتصنع فيما بعد ، حتى إذا وصل الباحثون في تتبعهم للأسلوب إلى العصر المملوكي ، حكموا عليه بالتكلف والضعف والركالة ، وتسرب الألفاظ العامية إلى شعر الشعراء ونثر الكتاب ، فهل هذا الحكم صحيح ؟ إن التعميم في المسائل الأدبية لا يسلم ، ويظلم ، ولا يصيب كبد الحقيقة ، فالأدباء في العصر المملوكي ، تباينت طرقهم في التعبير ، واختلفت أساليبهم في أداء مقاصدهم ، يتساوى في ذلك الكتاب والشعراء ، فليست كل كتاباتهم متصنعة ، وليس كل شعرهم متكلفا ، ففي الأدباء من راق أسلوبه وسلس ، وفي الشعراء من جزل أسلوبه ورشق ، وإذا كان في الأدب المملوكي ضعف وتكلف ، فهو ظاهرة عامة موجودة في كل زمان ومكان ، وليست مقصورة على العصر المملوكي وحده ، إلى جانب أن ما نراه تصنعا وتكلفا لم يكن أهل العصر يرونه كذلك . ولهذا أسبابه ومسوغاته ، منها عجمة الحكام الذين لا يتذوقون بلاغة الأدب ، ولا يشجعون الأدباء على العناية بأدبهم ، ومنها سيادة ذوق الزخرفة في مظاهر الحياة كلها ، من اللباس والآنية ، إلى السلاح والمبنى ، ومنها انشغال الأديب عن أدبه بما يقيم أوده .